اتحاد المحاكم الإسلامية في الصومال : النشأة، التطور، وآفاق المستقبل
| الكاتب : | د. محمد أحمد شيخ على* |
| | |
| سيطرة اتحاد المحاكم الإسلامية على العاصمة الصومالية مقديشو في مطلع شهر يونيو الماضي (2006)وبسط سلطانها على غالبية المدن في وسط وجنوب الصومال خلال الشهور التالية لها جعلت الإسلاميين في الصومال طرفاً رئيساً في المعادلة السياسية في منطقة القرن الإفريقي عامة وفي الصومال خاصة، إن توحيد هذه المناطق الشاسعة تحت إدارة اتحاد المحاكم الإسلامية، والزحف المستمر لقواته نحو الشمال والجنوب الغربي مما يوحي بأنه مصمم على فرض سيطرته على كامل التراب الصومالي أثارت رددود فعل محلية وإقليمية ودولية واسعة النطاق، كما أنها دفعت المهتمين بالشأن الصومالي بالبحث عن معلومات تجلي الغموض الذي يكتنف التطورات السياسية التى تجري في الساحة الصومالية.
وفي محاولة للوقوف على حقيقة ما يدور في الساحة الصومالية من تطورات داخلية وخارجية مرتبطة باتحاد المحاكم الإسلامية تحاول هذه الورقة تتبع الأحداث والتطورات التى مهدت السبيل إلى نشأة اتحاد المحاكم الإسلامية،والمراحل المختلفة التى مر بها ، وبنيته الفكرية والتنظيمية، وما تحقق له خلال الفترة الماضية ، وموقف القوى الإقليمية منه , إضافة إلى السيناريوهات المتوقعة في المستقبل.
خلفية تاريخية: خرجت المحاكم الإسلامية في الصومال من رحم الجماعات الإسلامية التقليدية والمعاصرة، وهي امتداد للتنظيمات الإسلامية التى ظهرت في العالم العربي في الحقب المختلفة. وقد ازدادت أنشطة هذه التنظيمات في الفترة التى أعقبت إنهيار الحكومة المركزية في الصومال وخاصة في مجالات التعليم، والخدمات، والدعوة، وكذلك في مجال المصالحة الوطنية وحفظ الأمن، ومن هنا نشأت فكرة المحاكم الإسلامية أو المحاكم الشعبية ذات الطابع الإسلامي. وعند ذكر إسم المحكمة يتبادر إلى الذهن أنها هيئة قضائية تقوم بالفصل في المنازعات المدنية والجنائية وتنفيذ الأحكام الصادرة في حق المتهمين الذين تثبت إدانتهم ، غير أن المحاكم التي نشأت في الصومال في فترة غياب الحكومة المركزية تختلف عن مفهوم المحاكم العادية المعروفة في مجال القضاء، فهي عبارة عن سلسلة من الإدارات واللجان المتعددة التي تقوم بتنفيذ مهام متنوعة تخدم بصورة مباشرة أو غير مباشرة للهدف الرئيسي للمحكمة الذي هو إثبات الأمن والاستقرار.
ومن الناحية التاريخية ارتبطت نشأة المحاكم الإسلامية بالحرب الأهلية التي شهدتها شمال الصومال عام 1988م والتي أدت إلى نزوح المواطنين في المنطقة إلى القرى والأرياف ثم إلى معسكرات اللاجئين في شرق أثيوبيا. ونظراً لانهيار مؤسسات الدولة في المنطقة وغياب أي نوع من مؤسسات الحكم والإدارة وسط اللاجئين فإن الجماعات الإسلامية حاولت ملء هذا الفراغ وخاصة في ميدان القضاء فانشأت أول محكمة إسلامية للفصل في المنازعات وسط معسكرات اللاجئين وكذلك القرى والأرياف التي تسيطر عليها الحركة الوطنية الصومالية(SNM ) المعارضة .وبما أن الجماعات الإسلامية لم تكن لديها سلطة لتنفيذ الحكم الصادر من هذه المحاكم فإن الحركة الوطنية هي التي كانت تقوم بتنفيذ الأحكام وبهذه الطريقة تمكنت الجماعات الإسلامية من ضبط الأمن والاستقرار في المنطقة .
وفي عام 1991م وعندما انهارت الحكومة المركزية و أعلن الجزء الشمالي الغربي من الصومال انفصاله عن بقية الصومال وقامت الحركة الوطنية بتشكيل مؤسسات حكومية في هذه المنطقة فإن المحاكم الإسلامية ظلت تعمل في المنطقة حتى عام 1993م ، وفي الوقت الراهن هناك مؤسسات عدلية تابعة لحكومة أرض الصومال ومع ذلك فهناك مكاتب تديرها عناصر من الجماعات الإسلامية – يطلق عليها محاكم الشريعة الإسلامية - تقوم بفصل المنازعات المدنية دون القضايا الجنائية ، وتنفيذ الحكم الصادر من هذه المكاتب يترك لأطراف النزاع أي أنه ليس لدى هذه المكاتب سلطة تنفيذية للحكم .
وفي جنوب الصومال ارتبط نشأة المحاكم الإسلامية بالنضال السياسي الذي كانت تقوده جبهة المؤتمر الصومالي المتحد USC إذ أن الجبهة كانت بحاجة إلى تأييد كافة الشرائح المنتمية إلى قبيلة " هوية " لتتمكن من الإطاحة بحكومة الرئيس السابق محمد سياد بري ، وكانت الجبهة ترى أن الجماعات الإسلامية قوة لا يستغنى عنها ولذلك فإنها أعلنت أنها " ستطبق الشريعة الإسلامية إثر وصولها إلى السلطة " وذلك رغبة منها في الحصول على دعم وتأييد هذه الجماعات ، ومن ناحية أخرى بدأ العلماء من قبيلة " هوية " في إنشاء محاكم إسلامية في المناطق الجنوبية التي انسحبت منها قوات الحكومة عندما اشتدت عليها هجمات المعارضة .
وبعد سقوط الحكومة المركزية وانتشار أعمال العنف والنهب في أنحاء البلاد اهتمت الجماعات الإسلامية بحماية أمن المواطنين وممتلكاتهم وحراسة المنشآت العامة فانشأوا في كل حي وفي كل مدينة لجانا لحفظ الأمن ودوريات حراسة تجوب مختلف الأحياء طوال اليوم ، أما المنشآت العامة وخاصة الموانئ فإنها كانت تحت حراسة مليشيات تابعة للجماعات الإسلامية، فميناء مقديشو الدولي كان تحت حراسة مليشيات " أشامود " التابعة لمجمع علماء الصومال ، وميناء بوصاصو في شمال شرق الصومال وكذلك ميناء مركا في الجنوب كانا تحت حراسة مليشيات حركة الاتحاد الإسلامي ، وميناء كسمايو كان تحت حراسة مليشيات تابعة لمختلف الجماعات الإسلامية في المدينة وذلك في الفترة من 1991م – 1992م. كسبت الجماعات الإسلامية سمعة طيبة بين الموطنين من خلال جهودها في مجال حفظ الأمن وحراسة المنشآت العامة كما أن حراستها للموانئ اتاحت لها فرصة الحصول على مصادر تمويل لأنشطتها الأمنية ففكرت في إنشاء مؤسسات قضائية للفصل في المنازعات بين المواطنين حتى لا تتطور إلى مواجهات مسلحة بجانب محاكمة المجرمين الذين يقعون بأيدي هذه الجماعات ، وانطلاقاً من هذه الفكرة ظهرت محاولات لإنشاء محاكم إسلامية ومنها محاولة مجمع علماء الصومال عام 1991م الذي أعلن إنشاء محكمة إسلامية، وكان أول حكم صدر منها الجلد على شاب وشابة أدينا بارتكاب أعمال تخدش الحياء العام غير أن تنفيذ الحكم فشل عندما حاصرت القوات الموالية للجنرال محمد فارح عيديد – رئيس المؤتمر الصومالي المتحد - مكان تنفيذ العقوبة وأجبرت أعضاء المحكمة والحضور معاً على التفرق.
وفي 1992م استطاع العلماء بحي المدينة في العاصمة مقديشو فتح محكمة إسلامية مهمتها إعادة الأمن والاستقرار في ذلك الحي الذي أصبح أكثر أحياء العاصمة سوءاً من ناحية الأمن لدرجة أن سكان الأحياء المجاورة له سموه بـ( حي البوسنة) نتيجة لكثرة حوادث القتل والنهب والاغتصاب التي يشهدها الحي، وذلك بعد أن تمكن العلماء من جمع المليشيات العشائرية في الحي لتوفير حماية أمنية للمحكمة وتنفيذ الأحكام الصادرة منها وتم وضع الشروط والمواصفات لمن يرغب في الانضمام إلى مليشيات المحكمة.
تمكنت هذه المحكمة خلال فترة وجيزة من إعادة الأمن والاستقرار إلى الحي، وبدأ الناس في ممارسة أنشطتهم اليومية دون خوف من اللصوص وقطاع الطرق.وعلى الرغم من أن هذه المحكمة استمر عملها حتى عام 1999م فإن وسائل الإعلام العالمية لم تهتم بشأنها كما اهتمت بالمحاكم التي نشأت بعدها وربما يعود السبب إلى أن المحكمة لم تكن تعرض نشاطها إلى الخارج عبر وسائل الإعلام ولم تنافس الزعماء السياسيين كما فعلت المحاكم التي قامت بعدها.
وفي عام 1994م إثر رحيل القوات الأمريكية والقوات الغربية الأخرى نشطت المحاكم الإسلامية في كافة أنحاء الصومال ، حيث إنه في عام 1995م وحده افتتحت محاكم إسلامية في 8 أقاليم : جوبا السفلى، جوبا الوسطى، باي، باكول، نغال، هيران، سول ، وشبيلي الوسطى، غير أن أشهر هذه المحاكم وأكثرها نشاطاً كانت محكمة شمال مقديشو التي تأسست في أغسطس 1994م.
استطاعت محكمة شمال مقديشو خلال عملها في الفترة من 1994م إلى 1997م القضاء على العصابات وقطاع الطرق في شمال العاصمة مما أدى إلى ازدهار الأنشطة الاقنصادية والاجتماعية بل إن المنظمات الطوعية العالمية نقلت مكاتبها إلى هذا الشطر من العاصمة بسبب أمنها واستقرارها الذي وفرته المحكمة، وقد صاحب ذلك نشاط عمراني ملحوظ، غير أن الضغوط الإقليمية والدولية التى تعرض لها السياسيون والأعيان في المنطقة أدت إلى اضعاف دور هذه المحكمة وشل نشاطها تماما عام 1997م .
وفي عام 1996م وفي أعقاب وفاة الجنرال عيديد الذي كان معارضاً لتأسيس محاكم إسلامية في المنطقة الواقعة تحت سيطرته ، وبعد أن ظهرت أمارات الضعف السياسي على ولده الذي ورث منصبه بدأت الجماعات الإسلامية في تأسيس محاكم إسلامية في جنوب العاصمة أسوة بمثيلاتها في بقية أنحاء الصومال، ونظراً للتركيبة العشائرية في جنوب العاصمة التي تختلف عن شمالها بالتعدد والتنوع فإن كل عشيرة فتحت محكمة خاصة بها وذلك حتى تقوم كل عشيرة بردع المجرمين المنتمين إليها من أن يلحقوا أضراراً ببقية المواطنين، ثم تطورت أعمال المحكمة إلى محاربة العصابات الإجرامية وقطاع الطرق بغض النظر عن انتمائهم العشائري أو القبلي وذلك بعد أن قامت المحاكم المختلفة بتنسيق أعمالها وكونت مظلة تضم كافة المحاكم لتنظيم عملياتها الإدارية والأمنية والقضائية وذلك في عام 1999م وسميت هذا المظلة بـ(المجلس الأعلى للمحاكم الإسلامية).
ومن ناحية أخرى فإن المحاكم الإسلامية في جنوب العاصمة ساهمت في العمليات الهادفة إلى تقليص نفوذ زعماء الحرب في العاصمة حيث بدأت بالسيطرة على المناطق التي كانت واقعة تحت سيطرة حسين عيديد في جنوب الصومال وخاصة عندما انهزمت مليشياته وانسحبت عن مدينة بيدوا في يوليو 1999م، وقد بدأت المحاكم الإسلامية في إزالة الحواجز التي أقامتها العصابات المسلحة في الشوارع الرئيسية في العاصمة وكذلك بين العاصمة وبين المدن الرئيسية في إقليم شبيلى السفلى مثل مركا، وبراواه،وقريولى وكلها مناطق تابعة لقبائل ديجل ودر لكنها كانت خاضعة لسيطرة حسين عيديد الذي عجز عن إدارتها عقب هزيمته في معركة بيدوا في يوليو 1999م.
وقد دفع هذا الأمر حسين عيديد الذي تدهورت مكانته السياسية في البلاد بسبب صراعه المرير والطويل مع جيش مقاومة رحنوين الذي كان يتلقى دعما من وحدات من القوات الإثيوبية، واكتساح المحاكم الإسلامية في مناطق نفوذه في جنوب الصومال، أن يتصالح مع الحكومة الإثيوبية ويتحالف معها للقضاء على المحاكم الإسلامية . نشرت صحيفة " حوغ أوغال" Xog-ogaal في عددها الصادر في 6/12/1999م أن حسين عيديد ومحمد قنيري أفرح عقدا اجتماعاً في مقر حسين عيديد وناقشا إمكانية التخلص من المحاكم الإسلامية وما إذا كان من الممكن القضاء عليها إلا أنهما اتفقا في نهاية المطاف على التفاوض معها أولاً وإذا لم يؤدّ ذلك إلى نتائج إيجابية فالخطوة التالية تكون شن هجوم عسكري عليها.
ونشرت الصحيفة نفسها في عددها الصادر في 8 /12/1999م أن حسين عيديد التقى مع القطاع النسوي - من الجبهة التى يرأسها - وأخبر أنه اتفق مع الحكومة الإثيوبية بالتعاون من أجل القضاء على المحاكم الإسلامية، وأنه ما لم يتم ذلك خلال شهر ديسمبر - من العام 1999م - فإن ذلك سيلحق أضرراً كبيراً على مصالح تنظيمه، وأشار إلى أن تصفية المحاكم تمهد الطريق إلى تشكيل إدارة موحدة للعاصمة.
وفي عددها الصادر في 28/12/1999م نشرت الصحيفة نفسها أن حسين عيديد قدم مذكرة إلى دول ومنظمات دولية - لم تسمها الصحيفة - أشار فيها إلى أن المحاكم الإسلامية " ليست سوى مؤسسات إرهابية وأن رؤساءها أصوليون " وأشارت الصحيفة أن عيديد الإبن لم يجد تجاوباً من هذه الجهات التي أثنت على المحاكم بأنها استطاعت تحقيق ما فشلت فيه إدارته وهو توفير الأمن والاستقرار في العاصمة والمناطق المجاورة لها.
ومع أن صحيفة حوغ أوغال من الجهات المعارضة لحسين عيديد وتنظيمه ، وأن كثيراً ما تنشره يهدف إلى النيل من سمعة هذا الرجل ومكانته السياسية، وأن ما تم نقله من الصحيفة لا يخلو من مبالغة إلا أن مواقف حسين عيديد وتصريحاته منذ أن تصالح مع أثيوبيا في شهر أكتوبر 1999م وما بعدها كانت ضد المحاكم الإسلامية والشخصيات الإسلامية والوطنية التي ارتبطت بها.
وهناك عثمان حسن علي عاتو – سياسي ورجل أعمال ينتمي إلى عشيرة عيديد – الذي عارض المحاكم الإسلامية بطريقة هادئة أثنى على دور المحاكم في استتباب الأمن والاستقرار، مؤكداً على أهمية تطبيق الشريعة الإسلامية ، لكنه ذكر أن وقتها يأتي بعد إعادة هيكل الدولة ومؤسستها وأشار إلى أن عمل المحاكم الإسلامية دون مؤسسات حكومية تراقب ذلك سيؤدي إلى تجاوزات في حقوق المواطنين ، وحذر عاتو من إقحام المحاكم الإسلامية في ميدان السياسة إذ في رأيه الا علاقة بينهما، كما حذر من الأفكار التي وصفها بـ (أفكار أجنبية )، والأشخاص الذين جاءوا من الخارج ، الذين يريدون خلق عداوات بين عشيرته ( هبرغدر ) وجيرانها – يقصد إثيوبيا - ، وذكر أن عشيرته مهددة بهجوم خارجي وأن المحاكم الإسلامية وحدها لا تستطيع مواجهة ذلك الهجوم، ولذلك فإنه دعا إلى أن تكون هناك مشاورات بين المحاكم والفصائل السياسية ، وحذر عاتو أيضاً من القبائل التي تتخذ المحاكم الإسلامية وسيلة لفرض سيطرتها على الآخرين، وذكر أن الدول المجاورة للصومال تعتقد بأن هذه المحاكم إرهابية وأنها تابعة لحركة الاتحاد الإسلامي وأشار إلى أنه عارض محاولات عشيرة هبرغدر الرامية إلى الهجوم على المحاكم والقضاء عليها ولم تفت عاتو أن يشير إلى أن المحاكم الإسلامية استفادت من خلافات زعماء الفصائل السياسية في العاصمة . ونظراً لتحسن الأوضاع الأمنية في جنوب العاصمة بجهود المحاكم الإسلامية فكر العلماء في شمال العاصمة في إحياء محكمتهم التي أغلقت أبوابها عام 1997 واستطاعوا جمع 40 سيارة ومليشيات قوامها 600 فرد ولكن السياسيون والأعيان من هذه المنطقة تمكنوا من إيقاف استعداد العلماء لفتح المحكمة مرة أخرى و أحبطوا المشروع دون استخدام قوة عسكرية، وقد نشرت صحيفة أيامها في عددها 17/11/1999م أن سياسيي عشيرة أبغال أمثال علي مهدي ، وحسين حاج بود ، وموسى سودي أرسلوا خطاباً إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، وكان مضمونه أن هؤلاء السياسيين تضامنوا في الوقوف أمام تأسيس المحاكم الإسلامية مرة أخرى.
وفي الأسبوع الأول من شهر ديسمبر 1999م نظمت المحاكم الإسلامية مظاهرة كبيرة في مدينة مقديشو تحدث فيها مسئولو المحاكم عن دور المحاكم وأهميتها في استتباب الأمن والاستقرار ، وأعلنوا أنهم لا يهددون مصالح الدول المجاورة ، وذكروا أنهم ليسوا من حركة الاتحاد الإسلامي التي تخوض حرباً ضد الحكومة الأثيوبية ، وأشاروا إلى أن هناك أعضاء من الاتحاد يعملون في المحاكم وليس هناك ما يمنع ذلك.
وفي هذا الأثناء التقى الاتحاد الأوروبي - الذي كان من الجهات المتابعة والمهتمة بتطورات الشأن الصومالي - عن طريق ممثله في الصومال دوارتو دي كرفالو Duarto De Carafalo بمسئولي المحاكم الإسلامية وتلقى منهم تقريراً حول أنشطة المحاكم الإسلامية ، وطمأنهم بعد أن نفى أن يكون من ضمن الاتفاقية المبرمة بين إثيوبيا وحسين عيديد ما يشير إلى الهجوم على المحاكم والقضاء عليها، وأخبرهم بأن المجتمع الدولي لا يريد التدخل في شئونهم الدينية ووعدهم بأنه سيبلغ تقريرا عن جهود المحاكم إلى الجهات الإقليمية والدولية المهتمة بالشأن الصومالي.
ومنذ 1996م كانت إثيوبيا ركزت جهودها السياسية تجاه الصومال في محاربة النفوذ الإسلامي الذي بدأ يزداد بصورة ملحوظة ، ولم يقتصر جهدها في مواجهة الإسلاميين المسلحين وتحديداً حركة الإتحاد الإسلامي التى كانت تقاتل القوات الإثيوبية في الإقليم الصومالي في إثيوبيا " الإقليم الخامس " منذ عام 1992م، وكذلك داخل الأراضي الصومالية ابتداء من 1996م فحسب ، بل شمل كذلك محاربة المحاكم الإسلامية حيث تحركت بقوة – مباشرة أو عن طريق حلفائها من زعماء الفصائل السياسية - للحيلولة دون توسع المحاكم الإسلامية وانتشارها في العاصمة والمناطق المجاورة لها ولكنه في هذه الأثناء إنعقد مؤتمر عرتة للمصالحة الصومالية عام 2000م وتمخض عنه حكومة وحدة وطنية وتم تخصيص مقاعد في البرلمان لشيوخ المحاكم الإسلامية كسباً لولائهم ، كما أن الميثاق الوطني الذي تمت إجازته من قبل المؤتمر كان ذا طابع إسلامي، وقد وعد الرئيس عبد قاسم صلاد حسن المنتخب في هذا المؤتمر بتطبيق الشريعة الإسلامية على البلاد وفقاً لما ورد في هذا الميثاق، ومن هنا اغلقت المحاكم الإسلامية أبوابها واندمجت في مؤسسات حكومة عرته.
أحداث 11 سبتمبر والمحاكم الإسلامية وفي أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001م التي استهدفت المركز التجاري العالمي في نيويورك ، ومركز قيادة الجيش الأمريكي " البنتاغون" ، وما تبع ذلك من الهجوم الأمريكي على حكومة الطالبان في أفغانستان التي كانت تأوي أسامة بن لادن رئيس تنظيم القاعدة ، والمتهم بتخطيط هذه الهجمات حددت أمريكا الصومال كهدف تالي لغزوها بعد أفغانستان باعتبارها ملجأً آمناً لتنظيم القاعدة ، أو تنظيمات إرهابية أخرى ذات الصلة بالقاعدة . وقد أعلن الرئيس الأمريكي جورج ولكر بوش أن حركة الاتحاد الإسلامي الصومالي ضمن قائمة المنظمات الإرهابية التي لها علاقة بتنظيم القاعدة، كما أعلن أن شركة البركات الصومالية التي تعمل في مجال التحويلات المصرفية من أخطر الشبكات التي تمول الإرهاب الدولي فجمّد أرصدتها وأمر بإغلاق مكاتبها في الولايات المتحدة الأمريكية وفي بقية أنحاء العالم ، ومن ثم أصبحت الصومال مركز اهتمام لوسائل الإعلام العالمية التي تناولت باسهاب حركة الإتحاد الإسلامي،والمحاكم الإسلامية ، والشركات الاقتصادية ، والتعليم الأهلي في الصومال ، والحكومة الانتقالية وعلاقاتها بالحركات الإسلامية .
وعندما وصل الأمر إلى هذه النقطة نظم بعض الإسلاميين - وغالبيتهم من الشباب – أنفسهم وأنشأوا تنظيماً جهادياً أصبح له فروع في جميع أنحاء الصومال، كما أنهم تحالفوا مع التجار الإسلاميين الذين خافوا استهدافاً أمريكياً وإثيوبياً لمصالحهم. وفي غضون سنوات قليلة شكل هولاء الشباب قوة فعلية في الساحة الصومالية مع صغر حجمها وقلة عتادها مقارنة مع الفصائل السياسية الأخرى، غير أن تدريبهم العالي وانضباطهم وتجردهم واخلاصهم ورغبتهم في الإستشهاد جعلتهم قوة تهاب منها بقية القوى السياسية في الصومال كما أنها أصبحت تدخل في دائرة اهتمام أمريكا وإثيوبيا اللتين كانتا تتابعان بدقة التطورات المتعلقة بهذه الحركة الناشئة.
وعندما ضعفت الحكومة التى تمخضت عن مؤتمر عرتة وبدأ الاستعداد لمؤتمر " إلدوريت " في كينيا – للحوار والمصالحة وتشكيل حكومة وحدة وطنية أخرى - تكثفت عمليات الاغتيالات المنتقاة للإسلاميين في المساجد والأماكن العامة من قبل أفراد يعملون لصالح جهات أجنبية، كما حصلت عمليات اختطاف لبعض الإسلاميين وتسليمهم إلى حكومات من دول الجوار أو القوات الأمريكية المتمركزة في جيبوتي، وعندما استمرت هذه العمليات لعدة شهور ظهرت عمليات مضادة من قبل الإسلاميين الجهاديين حيث وجد العديد من الساسة والضباط ومن لهم علاقة بالاستخبارات الأجنبية وهم قتلى بطرق غامضة، كما أن العديد من الغربيين من موظفي المنظمات الطوعية العالمية أو الصحفيين قد اغتيلوا، واستمرت عملية الاغتيالات والاغتيالات المضادة طوال الثلاث سنوات الماضية. وفي هذه الأثناء ظهرالجيل الحالي من قادة المحاكم الإسلامية الذي يعتبر الجيل الثالث، وقد ظهر الجيل الأول مع بداية التسعينيات من رجال الدين الفقهاء كبار السن، وانحصر عملهم في فصل المنازعات المدنية والجنائية وكذلك في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وظهر الجيل الثاني من قادة المحاكم عقب وفاة الجنرال عيديد 1996م ولم يكن هذا الجيل مختلفاً عن سابقه من حيث الأعمار أو الأفكار، وهو الجيل الذي تم استيعابه في حكومة الرئيس عبد القاسم صلاد حسن ( 2000م-2002م )كما سبقت الإشارة إليه.
وفي هذه الفترة التي ضعفت فيها حكومة الرئيس عبد القاسم صلاد، ظهرت أيضا ًظاهرة اختطاف المليشيات للمواطنين وطلب الفدية مقابل إطلاق سراحهم. ولمعالجة مشكلة الاختطاف والحد منها أسس الخريجون الصوماليون وخاصة خريجو الجامعات العربية رابطة للخريجين ترأسها شريف شيخ أحمد – الرئيس الحالي للمحاكم الإسلامية -الذي درس جزء من تعليمه الجامعي في السودان وأكمل الباقي في ليبيا.
أسس الخريجون محكمة في منطقة " سيسي " الواقعة في الجزء الشمالي من العاصمة بقيادة شيخ شريف وذلك لمعالجة مشكلات الاختطاف والسرقات التي كانت ترتكز في هذه المنطقة، ومن هنا ظهر الجيل الثالث من قادة المحاكم الذي يختلف عن الجيلين السابقين له من حيث أعمار قادته ومن حيث الفكر والفهم العام والمستوى التعليمي، وقد استطاع هذه الجيل تأسيس اتحاداً يجمع المحاكم الإسلامية العاملة في العاصمة، والتى بلغ عددها عشية تأسيس الاتحاد عام 2004م 11 محكمة.
وفي هذه الفترة نفسها فكر الإسلاميون الجهاديون الذين أطلقوا نفسهم إسم " الشباب " الحصول على واجهة مناسبة لتنزيل مشروعهم الإسلامي على أرض الواقع فوجدوا أن المحاكم الإسلامية هي أنسب واجهة لهم ، ومن جهتها فإن المحاكم الإسلامية - التى بدأت تستعيد أنفاسها بعد فشل حكومة عرتة – كانت بحاجة إلى قوات تقوم بتنفيذ مهامها الخاصة يإثبات الأمن ومطاردة المجرمين ومعاقبتهم بالإضافة إلى حماية المحكمة وممتلكاتها وقادتها، فشكل الشباب قوام قوات المحاكم الإسلامية، وتركوا الشئون الإدارية والقضائية للتنظيمات الإسلامية الأخرى.
وصادف في هذه الفترة أيضاً تأسيس المجلس الوطني للإنقاذ الذي تشكل من أعضاء تنتمي إلى عدة جماعات إسلامية مثل : الإعتصام بالكتاب والسنة ( سلفية )، التجمع الإسلامي للإنقاذ ( إخواني/ محلي )، الحركة الإسلامية في الصومال ( إخواني / دولي ). ومع أنه من غير الواضح مدى رضاء وموافقة قادة تلك التنظيمات بتأسيس ذلك المجلس إلا أن هذا الكيان الإسلامي السياسي كان له دور في استقطاب الدعم الشعبي واللوجيستي للصراع الذي خاضته المحاكم في الفترة التى أعقبت تأسيسه.
واجه الجيل الحالي " الثالث " من قادة المحاكم الإسلامية المشاكل السابقة التي عانى منها الجيلين السابقين له، حيث عمل قادة الفصائل على إجهاض عمل المحاكم، ولكن من خلال المعارك التي استمرت لأربعة أشهر ( 18 فبراير – 4 يونيو 2006م ) بين المحاكم الإسلامية والتحالف من أجل السلام ومكافحة الإرهاب تمكّنت المحاكم الإسلامية من القضاء على قادة الفصائل والسيطرة على العاصمة بعد أن ظلت لما يقارب الـ 16 عاماً تحت سيطرة زعماء الحرب .
البنية الفكرية والعشائرية للمحاكم الإسلامية التشكيلة الحالية للمحاكم الإسلامية تشمل كافة التيارات الفكرية الإسلامية في الساحة الصومالية حيث نجد التيار الإخواني المحلي " التجمع الإسلامي للإنقاذ " ، والتيار السلفي بشقيه الدعوي " الإعتصام بالكتاب والسنة"، و " جماعة الدعوة / السلفية الجديدة " والجهادي، والتيار الإخواني الدولي " الحركة الإسلامية في الصومال"- وذلك دون أن يجد أعضاء الحركة الإسلامية موافقة من القيادة الحالية للحركة - بالاضافة إلى إسلاميون مستقلون. هذا من حيث البناء الفكري أما البناء العشائري فإن قاعدة المحاكم الإسلامية تتشكل بصورة أساسية من عشائر قبيلة "هوية"، مع تمثيل متوسط من قبائل منطقة ما بين النهرين "دغل وميريفلي" بالاضافة إلى تمثيل قليل نسبياً من بقية القبائل الصومالية، هذا من حيث التكوين أما من حيث التأييد والتعاطف فإن المحاكم لديها شعبية على امتداد الوطن وذلك نتيجة لشعاراتها الإسلامية وما حققته من أمن واستقرار خلال الفترة القليلة الماضية .
وبخلاف الحكومة الانتقالية فإن تشكيلة المؤسسات الإدارية لاتحاد المحاكم الإسلامية ( مجلس الشورى، والمجلس التنفيذي، والمؤسسات الأمنية والقضائية ) لم تراع فيه التوازن القبلي ، بل تم توزيع العضوية في هذه المجالس على المجموعات المدنية والعسكرية التى ساهمت في المجهود الحربي ضد زعماء الحرب، كل على حسب ثقله وأدائه وتضحياته.
المحاكم الإسلامية عقب انتصارها على التحالف من أجل السلام ومكافحة الإرهاب. الانتصارات التى تحققت للمحاكم الإسلامية أدت إلى أن يلتف الشعب حولها الأمر الذي مكّنها من أن تسيطر على الكثير من محافظات الجنوب وأن تعيد الأمن والنظام إلى قدر معين في هذه المناطق، كما أنها اكتسبت قدراً من الاعتراف باعتبارها طرفاً فاعلاً في شأن المستقبل الصومالي من قبل العديد من القوى الإقليمية والدولية.
ركز رئيس اتحاد المحاكم الاسلامية في حديثه للصحافة المحلية والدولية عقب سيطرة قواته على العاصمة مقديشو في 4/6/2006 م أن انتصار قواته على زعماء الحرب جاء بالدعم الذي تلقوه من قبل المواطنين في العاصمة وبالتالي فإنه انتصار للشعب وليس لمجموعة دون الآخرين ، وشدد أن الظلم المفروض على المواطنين قد ولّى وأن الجميع سواسية أمام العدالة ، وقد تركت هذه التصريحات أثرها في نفوس المواطنين الذين ظلوا قابعين تحت رحمة زعماء الحرب طوال الـ16 عاماً.
| |


