في مشهد يعيد الي الأذهان مذبحة دير ياسين في فلسطين عام 1948، عندما ساق الصهاينة القرويين الفلسطينيين المسالمين الي ساحة عامة وأعدموهم فردا فردا بدم بارد بدون أي مبرر عسكري غير الترويع والتهديد للفلسطينيين بالنزوح عن بلادهم والاّ تعرضوا لنفس المصير، قامت القوات الاثيوبية في مقاديشو في 19 نيسان (ابريل) الماضي باعادة تكرار نفس السيناريو عندما اقتحمت مسجد الهداية والمدرسة القرآنية الملحقة به، وقامت باجبار عشرين عالما من رجال الدين علي الوقوف صفا، ثم شرعت بقطع رقابهم بالخناجر وفصل الرؤوس عن الجثث، وبعد ذلك انقضت علي خمسين طفلا تتراوح أعمارهم بين ثمانية وأربعة عشر عاما واختطفتهم الي معسكراتهم في حادثة هزت العالم وأذهلته.
وقبلها بيومين هاجمت نفس القوات أحياء سكنية بالدبابات والأسلحة الثقيلة أدت الي قتل ثمانين شخصا وجرح ما ينيف علي مائتين منهم، وقد سبب هذا نزوحا آخر يقدر بعشرات الآلاف من العاصمة حسب شهادات منظمات حقوق الانسان. ما الذي دفع قوات الاحتلال الي ارتكاب هذه المذبحة؟! لقد مضي أكثر من عام علي الغزو الاثيوبي للصومال، وفي هذه الفترة مارس الاحتلال كل وسائل القمع والترهيب، من بينها جرائم الحرب وتدمير المدن وضرب المناطق السكنية بالطائرات والدبابات والصواريخ وتهجير مليون ونصف المليون من سكان العاصمة الي خارجها في العراء ومنع تقديم المساعدات الانسانية للمنكوبين والاعتداء علي المستشفيات ودور العبادة واغراق البلاد بالعملة المزيفة لاستعمال الفقر كسلاح لاخضاع البلاد، كل ذلك مسجل في وثائق الأمم المتحدة وفي تقارير منظمات حقوق الانسان وعلي رأسها منظمة هيومن رايتس ووتش . وطبعا، فان البلاد محاصرة، وقد وقفت كل وسائل الاتصال بالخارج والمعاملات التجارية، وبسبب القحط أيضا بدأت المواشي تنفق والمراعي تجف والزراعة تقف مما دفع السيد فيليب لازاريني مسؤول الأمم المتحدة المكلف بشؤون اللاجئين في الصومال الي التصريح بأن مليونين ونصف المليون من السكان يحتاجون الي الطعام والمعونات الأخري حسب تقديرات الأمم المتحدة .
وحسب الأمم المتحدة فإن أكبر تجمع للنازحين والفارين من جحيم الحرب في العالم اليوم يعيش في الخلاء المحيط بمدينة مقاديشو.
ورغم أن الظروف تشير الي أن اثيوبيا استخدمت كل الأسلحة الفتاكة التي في حوزتها، العسكرية والاقتصادية والسياسية لتحقيق أهدافها الاّ أنها فشلت في فرض الاستسلام وكسب ثمار الاحتلال وتكريس أجندتها وتثبيت عملائها في سدة الحكم وتسيير ادارة البلاد. بل انه بفضل العدوان نفسه والسيف المسلط علي الرقاب وحكم الحديد والنار، أصبح التضامن الوطني أكثر متانة والاكتتاب في صفوف المقاومة يزداد يوما بعد آخر، وقد تعززت جبهة المقاومة في كل الأقاليم والمدن، وحققت انتصارات باهرة بفضل حرب العصابات التي استطاعت أن تضرب العدو ضربات موجعة وتقطع عليه الطرق وتحاصر المدن وتحتلها ثم تنسحب منها بعد أن تطلق سراح الأسري والمعتقلين سعيا الي انهاك المحتل وتوسيع رقعة القتال أمامه، ناهيك عن التصفية الجسدية لرموز الأمن والادارة العميلة، الأمر الذي تمخض عنه هروب أعداد كبيرة من كتائب القوات المرتزقة وانتقالهم الي صفوف المقاومة.
لذلك فان وسائل الاعلام العالمية في تقييم للتطورات في الصومال أشارت الي أن الحكومة المؤقتة التي جاءت علي ظهر الدبابة الاثيوبية علي وشك الانهيار لأنها كيان وهمي بلا قاعدة شعبية ولا سلطان لها ولا تسيطر علي الواقع، وتحدثت عن ارتباك المشروع الاثيوبي الأمريكي ومصيره المحتوم الي الفشل الذريع. ولتجنب خيبة الأمل هذه تحركت الأمم المتحدة بضوء أخضر أمريكي رافعة راية السلام والوساطة، فعقدت اجتماعات متعددة مع الجبهة الوطنية المعروفة بالتحالف من أجل اعادة التحرير، في أسمرة والقاهرة ونيروبي وجيبوتي، كما أن ممثلي الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة قاموا بمساع مماثلة لتأكيد الدور الأممي. وقد نتج عن هذه المساعي الاتفاق علي اطار للتفاوض والمصالحة يكون علي رأس جدول أعماله وشرطه الأساسي انسحاب القوات الاثيوبية من الصومال. وتم اختيار جيبوتي مكانا لعقد هذه المفاوضات وأن يكون اللقاء الأول في 10ايار (مايو) القادم.
أمام هذا المأزق ومع شعور اثيوبيا بالحصار والاحباط كان لا بد لها أن تستعرض العضلات وتثبت وجودها لكي تؤخذ بعين الاعتبار في أي مفاوضات قادمة، ولكي تقول انها يمكن أن تفسد أية مصالحة تتم، وربما هذه المذبحة ارتكبت من منطلق اليأس بالقيام بأبشع عملية دموية للحصول علي الاستسلام النهائي.
ولقد أدانت أكبر تنظيمات المقاومة التحالف من أجل اعادة التحرير وكذلك الفصائل الأخري المذبحة الاثيوبية الفظيعة، واعتبرتها عملا اجراميا ارتكب عن ترصد وسبق اصرار لتحقيق مكاسب سياسية، ودليلا علي سوء نية، وتحدت رئيس الوزراء نور حسين أن يحدد موقفه منها ويدينها، كما طلبت من المجتمع الدولي ادانة هذه العملية الغادرة، وهددت في حالة الرد السلبي بالانسحاب من العملية التفاوضية.
ولقد أدان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون هذه المذبحة، لكنه آثر أن يستعمل كلمات دبلوماسية، فلقد أعرب عن انزعاجه الشديد من هذه الأحداث وعن أسفه للأعداد الكبيرة من الوفيات بين المدنيين والاصابات الناجمة عنها.
وكذلك فعل الأمين العام المساعد للشؤون الانسانية ومنسق طوارئ الغوث جون هولمز الذي أدان بشدة القتل الوحشي لعلماء الدين في مسجد الهداية في 19 نيسان(ابريل)، وخطف خمسين طفلا من قبل الاثيوبيين الذين تتراوح أعمارهم بين تسعة وأربعة عشر، وقال ان الأطفال كانوا في مدرسة تابعة للمسجد عندما اقتحمها الجنود وأخذوهم عنوة الي ثكناتهم. وندد المسؤول الأممي بالاستعمال المفرط وغير المتناسب للقوة ضد السكان المدنيين الذي يشكل خرقا للقانون الانساني الدولي وكذلك استخدام المدفعية الثقيلة والدبابات في المناطق السكنية، الأمر الذي جعل من عدد الضحايا أمرا غير مقبول.
ومن جانبه أدان السيد غنيم النجار المفوض المسؤول عن لجنة حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة قتل المدنيين في الصومال ومن بينهم علماء الدين ووبخ بشدة في بيان استخدام الأسلحة الثقيلة في المناطق التي يتمركز فيها المدنيون والتي أدت الي وفاة 81 وسقوط 100 جريح . وشجب غنيم بصفة خاصة القتل العمدي لعدد من علماء الدين الذين ينتمون الي جماعة التبليغ ( الصوفية) في مسجد الهداية .
وقد قال السيد أحمد ولد عبدالله الأمين العام المساعد المكلف بملف الصومال باختصار بحكم حساسية مركزه ان هذا مريع وفظيع وغير محتمل .
أما منظمة العفو الدولية فقد أدانت في بيان استهداف المدنيين في ذلك الاعتداء، وقد قتل منهم أحد عشر من بين واحد وعشرين في داخل المسجد من بينهم الامام شيخ سيد يحيي والشيخ عبدالله محمود وعدد آخر من العلماء المسلمين المنتمين الي جماعة التبليغ، وذكر شهود عيان أن هؤلاء المقتولين كانوا غير مسلحين ولم يشتركوا في أي عمليات قتالية، وسبعة منهم قتلوا بقطع الرقاب، وهو نوع من أنواع تنفيذ حكم الاعدام بدون محاكمة تمارسه القوات الاثيوبية في الصومال. وناشدت المنظمة مجلس الأمن اتخاذ خطوات لانهاء عدم العقاب في الصومال بانشاء لجنة دولية للتقصي، أو أية آلية أخري مناسبة للتحقيق في الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت خلال النزاع المسلح .
وعلي كل حال فقد أعلنت حركات المقاومة تجميدها ومقاطعتها للعملية التفاوضية الي حين تبيين الحكومة المؤقتة موقفها من هذه المذبحة.
وفي تصرف هيستيري ينم عن الارتباك والعزلة، قامت اثيوبيا بقطع العلاقات الدبلوماسية هذا الأسبوع مع دولة قطر متهمة اياها بمساندة الارهاب لمجرد أن قناة الجزيرة بثت برنامجا اخباريا عن حركة تحرير أوغادين. وقد كان بيان الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي السيد حمد بن العطية بليغا في الرد علي هذا الاجراء الأهوج، وجاء فيه ان قطر تتمتع بتأييد افريقي بينما اثيوبيا علي مر العصور تشتهر بسمعة سيئة لاثارتها القلاقل والنزاعات عن طريق التدخل الفاضح في شؤون جيرانها، وفضلا عن ذلك، فان أديس أبابا تساند المجموعات التي تهدد الأمن والاستقرار في عديد من دول القرن الافريقي، ومن بينها التدخل العسكري الاثيوبي الذي يشكل خطرا حقيقيا. وان ممارساتها الرعناء امتدت لإقليم أوغادين الذي جعلت منه اثيوبيا ساحة مغلقة للحرب محظورة حتي علي المنظمات الانسانية .
هذا وقد كانت المنظمات الحكومية الاسلامية والعربية حادة في الادانة والتنديد بهذه المذبحة الاثيوبية غير القابلة للوصف.
ہ سفير صومالي سابق
Set as favorite
Bookmark
Hits: 219
Trackback(0)
Comments (0)

Write comment




Waxaa maalamahan aad isu soo taraya hadal haynta la xiriirta khilaaf la sheegayo inuu Isbahaysiga so...
Waa dabciga aadamiga iyo noolaha oo dhanba in haddii degaanka lagu nool yahay si uun u xumaaado in m...
The assassination of a Somali al-Qaida affiliate overshadows peace talks, with Kenya vulnerable to t...
Introduction
In Part One of my assessment of the impacts of Ethiopia’s invasion of Somalia, I tr...
أعلن البنتاجون بنشوة مقتل الزعيم الشاب آدم حاشي عيرو ز...
في مشهد يعيد الي الأذهان مذبحة دير ياسين في فلسطين عام ...